الشيخ عبد الغني النابلسي

140

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وَالصَّابِرِينَ [ محمد : 31 ] . وذلك الكشف هو كشفنا لكم عن ذلك حيث توافق علمنا وعلمكم في هذا المقدار المذكور ( وهي ) ، أي قوله تعالى : نعلم ( كلمة محققة المعنى ) ، أي معناها ما يظهر منها حقيقة على حسب ما ذكر ( ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشرب ) من العلم باللّه الموافق للعلم باللّه حيث هما من معدن واحد . ( وغاية المنزه ) ، أي العالم باللّه على وجه التنزيه من علماء الظاهر ( أن يجعل ذلك الحدوث ) المفهوم من ظاهر قوله تعالى : حَتَّى نَعْلَمَ ، أي حتى يحدث لنا علم حدوثا ( في العلم للتعلق ) بالمعلوم لا لنفس العلم الإلهي القديم ( وهو ) ، أي هذا القول بالحدوث في العلم للتعلق لا لنفس العلم ( أعلى وجه يكون ) ، أي يوجد ( للمتكلم بعقله ) كعلماء الظاهر ( في هذه المسألة ) التي هي مسألة نسبة حدوث العلم للّه تعالى ( لولا أنه ) ، أي هذا المتكلم بعقله ( أثبت العلم ) معنى ( زائدا على الذات فجعل التعلق ) بالمعلوم ( له لا للذات ) وقد نسب علماء الظاهر هذا القول للأشعري رحمه اللّه تعالى ، حيث سموا العلم صفة معنى من جملة صفات المعاني السبعة ، وعللوا التسمية بأن هذه الصفات السبعة التي منها العلم لها معان في نفسها زائدة على قيامها بالذات ، وأنا أقول إن هذا ليس مذهب الأشعري ولا غيره من السلف ، بل مذهبه أن هذه الصفات السبعة ليست عين الذات ولا غيرها . فقوله : ليست عين الذات ، يفيد أنها غيرها وقوله : ولا غيرها ، يفيد أنها عين الذات ، فالمفهوم من مذهبه أنه غير قاطع بواحد منهما ، فكيف ينسب إليه أنها غير الذات ، وهي معان زائدة على الذات ، والحاصل أن مذهب الأشعري رحمه اللّه تعالى في الصفات السبعة نفي النقيضين معا وعدم القطع بواحد منهما بل تسليم ذلك إلى اللّه تعالى ، كما هو مذهب السلف في التفويض إلى اللّه تعالى كل ما ورد في الدين ، لأن ذات اللّه تعالى لا تشابه الذوات ، وصفاته لا تشابه الصفات ، فيلزم من ذلك أن يكون قيام صفات اللّه تعالى بذاته لا يشابه أيضا قيام الصفات بالذوات ، وانحصر القول بالفهم والإمكان في صفات الحوادث أنها عين الذات كالوجود ، وأما غير الذات كلون الجرم مثلا فانتفى عن اللّه تعالى أن تكون صفاته عين ذاته أو غير ذاته ، ومراده أن ذلك غير مفهوم ولا معقول ولا محسوس ، بل هو غيب مطلق يجب الإيمان به على ما هو عليه ، لا أن مراده أن لذلك مفهوما عقليا كالواحد من العشرة لا هو عين العشرة ولا غيرها كما زعمه بعضهم ، ولا كما قال الشيخ قدّس اللّه سره في أوائل كتابه : « الفتوحات المكيّة » في عقائد أهل الاختصاص ، وأما قول القائل : لا هي ولا هو أغيار له ، فكلام في غاية البعد ، فإنه دل صاحب هذا المذهب